كتاب_وسائل الاثبات في التشريع المدني المغربي للدكتور إدريس العلوي العبدلاوي
الانسان كائن اجتماعی ، فهو بدافع غريزته وبداعي طبيعته لا يستطيع أن يعيش منعزلا ، وما عاش على هذا النحو قط . ومن ذلك كانت الجماعة أمرا لازما لعيش الانسان ، لا يمكنه الحياة بدونها . والانسان عاجز بمفرده ، مستطيع بغيره ، ذلك أنه يعجز عن أن يشبع بمفرده جميع حاجاته ، فلابد له من أن يفيد من مجهودات غيره في هذا السبيل . وطبيعته تدعوه الى أن يختلط بغيره ، فيشاركه في المعيشة ، ويساهم معه في النشاط ، ويتبادل معه النفع ، ومن ثم فحياة الانسان في المجتمع عبارة عن أخذ وعطاء . وهو في أخذه وعطائه قد تدفعه أثرة جامحة ، أو تغريه قوة طائشة ، الى الاستزادة مما له ، والتخلص مما عليه ولو بدون حق أحيانا ، فكان ذلك مثارا لمنازعات بين الافراد .
رابط التحميل أسفل التقديم:
تعريف الاثبات
الانسان كائن اجتماعی ، فهو بدافع غريزته وبداعي طبيعته لا يستطيع أن يعيش منعزلا ، وما عاش على هذا النحو قط . ومن ذلك كانت الجماعة أمرا لازما لعيش الانسان ، لا يمكنه الحياة بدونها .
والانسان عاجز بمفرده ، مستطيع بغيره ، ذلك أنه يعجز عن أن يشبع بمفرده جميع حاجاته ، فلابد له من أن يفيد من مجهودات غيره في هذا السبيل . وطبيعته تدعوه الى أن يختلط بغيره ، فيشاركه في المعيشة ، ويساهم معه في النشاط ، ويتبادل معه النفع ، ومن ثم فحياة الانسان في المجتمع عبارة عن أخذ وعطاء . وهو في أخذه وعطائه قد تدفعه أثرة جامحة ، أو تغريه قوة طائشة ، الى الاستزادة مما له ، والتخلص مما عليه ولو بدون حق أحيانا ، فكان ذلك مثارا لمنازعات بين الافراد .
ولو ترك الانسان حرا يسير على هدى فريزته ووحى فطرته لجرى فض هذه المنازعات عن طريق القوة الفردية ، ولالتهم القوى الضعيف ، ثم أتى دور القوى في أن يلتهمه من يفوقه قوة وعنفا وبطشا . ولكن الجماعة وصلت الی ایجاد نظام يسودها ويضمن بقاءها ويمهد لتقدمها وازدهارها و ارتقائها وكان هذا النظام هو القانون الذي نشأ بنشؤئها ، والذى وجد لكي يبين لكل فرد ما له وما عليه وهكذا كان تنظيم الحياة في الجماعة يقوم على أساس تقرير الحقوق والواجبات للاشخاص . لذلك امتنع على صاحب الحق عند المنازعة فيه أن يقضى به لنفسه ، وأصبح لزاما عليه أن يلجأ في شأنه الى القضاء يلتمس منه فض النزاع وفقا للقانون . ذلك أن الدولة في العصر الحاضر لا تبيح للافراد اقتضاء حقوقهم بأيديهم بالقوة بعضهم من بعض ، انما يجب على من يدعى حقا قبل آخر أن يلجأ الى الدولة لتمكينه من حقه أو لحمايته له . منظام العدالة الخاصة قد انتهى ، والعدالة في العصر الحاضر اصبحت عملا عاما تستأثر الدولة بتنظيمه وممارسته . فالقضاء حق للدولة وواجب عليها ، ولذلك يعتبر سلطة من سلطاتها الاساسية (1) .
ويطلق على الهيئة التي تعهد اليها الدولة بالقضاء باسم القضاء ، فهذا اللفظ اذا يدل على الفعل وعلى الفاعل حسب مقتضى السياق (2) .
والبنية هي سلاح الخصوم في معركة الخصومة القضائية حيث تتصارع المصالح وتتقارع المزاعم .
والبيئة هي سلاح الخصوم في معركة الخصومة القضائية حيث تصارع المصالح وتتقارع المزاعم .
والبيئة هي الدليل أو الحجة ، وهي مشتقة من البيان وهو الظهور والوضوح ومعناها البرهان الخاص الحاسم الذي يدعم دعوى المدعى ولذلك يقول الفقهاء البيئة كاسبها مبينة (3) .
والاثبات لغة هو تأكيد الحق بالبينة (4) . وهو في لغة القانون يعنى اقامة الدليل أمام القضاء بالطريقة التي يحددها القانون لتأكيد حق متنازع فيه له أثر قانوني ، لذلك كان الاثبات في جوهره اقناعا للمحكمة بادعاء أو بآخر من جانب هذا الخصم أو ذاك ويعرف الفقه (5) الاثبات بأنه : ( اقامة الدليل أمام القضاء بالطرق التي حددها القانون على وجود واقعة قانونية ترتبت آثارها » ويلاحظ ان بعض التشريعات قد قصرت لفظة ( البيئة » على شهادة الشهود فقط (6) . كما نلاحظ ان هذا النهج قد سار عليه بعض فقهاء الشريعة الاسلامية الغراء (7) .
ومن التشريعات ما أطلقت ( البينات » على كل وسائل اثبات الحق كالتشريع السورى والتشريع اللبناني (8) . في حين أن تشريعات أخرى قد اختارت لفظة ( الاثبات ) للدلالة على وسائل اثبات الحق كالتشريع المصرى والعراقي والمغربي .
من كل هذا يتضح لنا أن البينة أو الاثبات هي الوسيلة العملية التي يعتمد عليها الافراد في صيانة حقوقهم كما أنها هي الاداة الضرورية التي يعول عليها القاضي في التحقق من الوقائع القانونية. ذلك أن ادعاء وجود حق محل نزاع من جانب أحد الاشخاص أمام القضاء ان لم يصطحب بتقديم الدليل عليه الى القاضي فان هذا الاخير لن يكون ملزما بل انه لا يستطيع أن يسلم بصدق هذا الادعاء . فالحق له أركان ثلاثة هي طرفاه ومحله والحماية التي يسبغها القانون عليه (9) . والاثبات ليس ركنا من أركان الحق ذلك ان الحق قد يوجد دون أن تتوفر الوسيلة الى اثباته ومع ذلك مللاثبات أهميته العملية البالغة فالحق بالنسبة الى صاحبه لا قيمة له ولا نفع منه اذا لم يقم عليه دليل وكثيرون من الذين يخسرون دعاواهم وبالتالي حقوقهم لا لشيء الا لان الدليل يعوزهم .
وقد عبر الفقيه ( أهرنج » عن هذا المعنى بسيارته المشهورة التي قال فيها : ( ان الدليل هو فدية الحق » بمعنى أن تقديم الدليل من جانب صاحبه عبء عليه أن يحمله للحصول على حقه . فالحق يتجرد من قيمته ما لم يقم الدليل عليه . والدليل هو قوام حياة الحق ، ومعقد النفع منه ، فلا حق حيث لا دليل يؤكده ، ولا دعوى حيث لا اثبات تستند اليه ، والدليل هو الذى يظهر الحق ويجعل صاحبه يفيد منه والحق بدون دليل يعتبر هو والعدم . )10( سواء
مما سبق يتضح لنا أهمية الاثبات ، ذلك انه في المجتمعات الحديثة المنظمة ، حيث يسود القانون ويمتنع على الشخص ان يلجأ الى اقتضاء حقه بنفسه ، وحيث يلتزم أن يستعين في ذلك بالسلطة التي تقوم لتحقيق حماية الحقوق لأصحابها وهى سلطة القضاء ، يجد كل صاحب حق نفسه اذا أراد المطالبة بحقه في حالة تعرض هذا الحق لانكار من جانب الغير ، يجد نفسه مضطرا الى اقامة الدليل على وجود الحق الذي يطالب به ، حتى يمكنه الاستعانة بسلطات الدولة في أعمال ما يكفله القانون من حماية . وبغير اقامة هذا الدليل لا يستطيع أن يرتكن الى هذه الحماية فيتعرض لفقدان كل ما يتضمنه حقه من مميزات ومنافع. ومن هذا يظهر انه في مجال اعمال حماية الحقوق بمعرفة السلطة القضائية ، يستوى تعذر تقديم الدليل لاثبات حق موجود مع انعدام هذا الحق منذ البداية (11) .
رابط التحميل
What's Your Reaction?