مقال حول موضوع التواصل القضائي: من أجل عدالة قريبة من المواطن
شهد مرفق العدالة، خلال العقود الأخيرة، تحولات عميقة فرضتها التغيرات المجتمعية والانتظارات المتزايدة للمواطنين، لا سيما في ما يتعلق بالشفافية والحق في المعلومة والثقة في المؤسسات. وفي هذا السياق، برز التواصل القضائي كإحدى أبرز الآليات الحديثة لتعزيز انفتاح السلطة القضائية على بيئتها الخارجية، وتكريس مقومات عدالة قريبة من المواطن، قائمة على الوضوح والتفاعل. ومن هنا، فإن التواصل القضائي لا يُعد ترفًا مؤسساتيًا، بل ضرورة ملحّة لتحقيق التوازن بين مقتضيات استقلال القضاء، وحق المواطن في الاطلاع والفهم، وواجب الدولة في ترسيخ الشفافية. في هذا السياق، تُعد التجربة المغربية في هذا المجال نموذجًا في طور التبلور، خاصة بعد استقلال النيابة العامة، وما تبعه من دينامية مؤسساتية تروم إرساء دعائم الانفتاح والتواصل، من خلال تنظيم ندوات صحفية، وتعيين ناطقين رسميين للنيابات العامة، وتطوير المنصات الرقمية، وت
رابط التحميل أسفل التقديم:
الملخص:
شهد مرفق العدالة، خلال العقود الأخيرة، تحولات عميقة فرضتها التغيرات المجتمعية والانتظارات المتزايدة للمواطنين، لا سيما في ما يتعلق بالشفافية والحق في المعلومة والثقة في المؤسسات. وفي هذا السياق، برز التواصل القضائي كإحدى أبرز الآليات الحديثة لتعزيز انفتاح السلطة القضائية على بيئتها الخارجية، وتكريس مقومات عدالة قريبة من المواطن، قائمة على الوضوح والتفاعل. ومن هنا، فإن التواصل القضائي لا يُعد ترفًا مؤسساتيًا، بل ضرورة ملحّة لتحقيق التوازن بين مقتضيات استقلال القضاء، وحق المواطن في الاطلاع والفهم، وواجب الدولة في ترسيخ الشفافية.
في هذا السياق، تُعد التجربة المغربية في هذا المجال نموذجًا في طور التبلور، خاصة بعد استقلال النيابة العامة، وما تبعه من دينامية مؤسساتية تروم إرساء دعائم الانفتاح والتواصل، من خلال تنظيم ندوات صحفية، وتعيين ناطقين رسميين للنيابات العامة، وتطوير المنصات الرقمية، وتكوين القضاة في مجال التواصل، سعياً لتقريب القضاء من المواطن وتعزيز الفهم العام لعمل المحاكم. في هذا الإطار، يتوخى المقال، التعرف على التجربة المغربية في مجال التواصل القضائي، وإمكانيات تطويرها، بما يحقق غايات التواصل المحقق لعدالة قريبة من المواطن، وتحترم في الآن نفسه مبدأ استقلال السلطة القضائية.
الكلمات المفتاحية: #التواصل القضائي، ثقة المواطنين في العدالة، العلاقة بين القضاء ووسائل الإعلام، استقلال القضاء.
مقدمة
عرف العالم في العقود الأخيرة تحولات عميقة في مجال العدالة والإعلام، حيث لم تعد السلطة القضائية بمنأى عن التحديات المتصلة بالاتصال العمومي، خصوصا في ظل تسارع الثورة الرقمية وتصاعد نفوذ وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي
وقد أظهرت التجارب المقارنة، سواء في الدول التي أرست نماذج ناجحة للعدالة المفتوحة أو تلك التي لا تزال في طور الإصلاح، أن ضعف التواصل القضائي يؤدي إلى تغذية الشكوك، وترسيخ الأحكام المسبقة، كما يفسح المجال لتشويه الحقائق وتسييس القضايا المعروضة على القضاء في المقابل، ألبنت المبادرات القائمة على تفعيل التواصل الفضائي، بمختلف أشكاله المؤسسية والميدانية، فعاليتها في تعزيز القة المواطنين بالمؤسسة الفضائية، وفي ترسيخ مبادئ الشفافية والمسؤولية، دون المساس باستقلال السلطة القضائية أو يسير العدالة.
في هذا السياق، برزت الحاجة إلى تصور جديد الوظيفة القضاء، لا يكتفي بعض المنازعات، بل ينفتح على المجتمع ويخاطبه بلغة مفهومة، غير آليات تواصلية مدروسة، تراعي خصوصية العمل القضائي، وتنسجم مع متطلبات العصر، وهو ما يجسده الاتجاه المتزايد نحو إرساء منهجية للتواصل القضائي، نسج خيوط الثقة وتعيد الاعتبار لدور العدالة في بناء السلم الاجتماعي
وتتحلى أهمية التواصل القضائي في كونه يؤدي إلى انفتاح المرفق القضائي على محيطه، من أجل تمكين المواطنين من الوصول إلى المعلومات القانونية والقضائية بسهولة، مما يساهم في تعزيز الثقة في العدالة في حين أن الإحجام عن الانخراط في الفضاء الإعلامي والتواصلي قد يجعل هذا المرفق مؤسسة معزولة عن المجتمع، أو على الأقل عاجزة عن تصحيح المفاهيم المغلوطة التي قد تنشأ عن سوء الفهم أو نقص المعلومات . 1
إن التعزيز التواصل القضائي لا يعني فقط نقل المعلومة، بل يتجاوز ذلك نحو بناء علاقة مسؤولة بين العدالة ومحيطها قائمة على الوضوح، والفهم، والانفتاح دون المساس بجوهر المحاكمة العادلة.
تأتي أهمية هذه الدراسة كإطار تحليلي لفهم دور التواصل القضائي في ظل التحولات التي يعرفها النظام القضائي المغربي. لكون الفكرة المبتغاة هنا هي التركيز على مسألة تحديث أساليب التواصل القضائي بما يضمن الشفافية والانفتاح على الرأي العام دون المساس بضوابط الاستقلال والحياد. فباعتباره مرفقا عاما يخدم الصالح العام، لا يمكنه البقاء حبيس تقاليد العمل الإداري البيروقراطي دون مواكبة الأساليب الحديثة في الإدارة والتدبير، وخاصة في ما يتعلق بالتواصل مع المواطنين ووسائل الإعلام.
للإطلاع والتحميل
What's Your Reaction?