مقال حول موضوع التدبير الاستراتيجي الترابي ودينامية الجماعات الترابية
يتناول المقال مفهوم التدبير الاستراتيجي الترابي كمدخل حديث لتدبير الشأن العام، في سياق التحولات الاقتصادية، والاجتماعية، والعولمة وأزمة المالية العمومية، وينتقد المقاربات التقليدية المعتمدة في اللامركزية واللاتمركز لعدم قدرتها على إحداث تغييرات عميقة. ويعرف التدبير الاستراتيجي الترابي باعتباره سعيا لإعادة ربط السياسات العمومية بخصوصيات التراب، مع إشراك مختلف الفاعلين العموميين، والخواص والمجتمع المدني. ويرتكز هذا التدبير على مراعاة البعد الترابي للنشاط العمومي، والتعامل مع صعوبات ناتجة عن العولمة، وضعف التناسق الاجتماعي، وندرة الموارد، ويهدف إلى تحقيق تنمية شاملة لا تقتصر على النمو الاقتصادي، بل تشمل العدالة والاستدامة. كما يسعى هذا المقال إلى تعزيز هامش التصرف لدى الجماعات الترابية عبر التعاون، والتنسيق متعدد المستويات، والمتابعة المستمرة لآثار السياسات، ويرتكز على تطوير أدوات التخ
رابط التحميل أسفل التقديم:
مقدمة
من دون شك أن التوجهات والأهداف المسطرة في مجال اللامركزية الترابية ونظام اللاتمركز، تبيين عن وعي السلطات العمومية بالأهمية القصوى والمكانة المتميزة التي تحظى بها، وبالأخص في مجال التنمية الاقتصادية والاجتماعية للبلادة وبالتالي بات من اللازم مسايرتها للتطور الذي عرفه المحيط السياسي، والاقتصادي والاجتماعي للبلاد، واتخاذ كل التدابير اللازمة لذلك.
غير أن ما يلاحظ هو استمرار تناول قضايا تدبير الشأن العام المحلي في إطار منظور إصلاحي تقليدي، لا يسمح بإحداث التغييرات العميقة المطلوبة، سواء على مستوى العقليات أو الهياكل والسياسات، ويفتقد إلى النظرة العلمية التحديثية، ولا يواكب ما أصبحت تأخذ به مجموعة من الدول المتقدمة في مجال تدبير الشأن العام، الوطني والمحلي، من منظومات متكاملة أصبحت تشكل مرجعية في أساليب الإدارة الحديثة.
وهكذا، فبعد أن استقر التدبير الاستراتيجي العمومي، وأصبح فرعا من فروع علم الإدارة، فقد اتجهت الدراسات والأبحاث خلال العقد الأخير من القرن الماضي، نحو التأسيس الفرع جديد ضمن هذه الحقل، يهتم أساسا بالبعد الترابي في مجال التدبير العمومي، يتعلق الأمر بالتدبير الاستراتيجي الترابي. المبحث الأول: التدبير الترابي الإستراتيجي: المفهوم والأهداف
يقتضي الإلمام بهذا التوجه التدبيري الحديث أن تعالج هذا الفرع ضمن تقطين، تتعلق الأولى بإحاطة التدبير الإستراتيجي الترابي مفاهيميا ضمن مطلب أول، في حين تحدد الأهداف الأساسية لهذا التوجه من خلال مطلب ثان.
المطلب الأول: مفهوم التدبير الاستراتيجي الترابية
انطلاقا من بعض الكتابات، يرتكز مفهوم التدبير الاستراتيجي الترابي على ثلاثة عناصر رئيسية، يكتسي اثنان منها طابعا عاما، ويعالجان البعد الترابي للنشاط الاقتصادي، والاجتماعي والسياسي، أما العنصر الثالث، فيحيل على الصعوبات التي تعترض الجماعات الترابية، وذلك يفعل ما تشهده المنظومة الترابية اليوم من دعامية متسارعة.
الفقرة الأولى: البعد الترابي للنشاط العمومي
يأخذ التدبير الاستراتيجي الترابي بعين الاعتبار واقع أن كل إعداد وتنفيذ المشاريع والبرامج يمارس تأثيره على التراب (Le Territoire) ، وذلك بتوزيع الأنشطة في منطقة معينة، وكذلك على الترابية (La Territorialite)، من خلال التأثير على العلاقات بين الفاعلين ضمن جماعة ترابية ما (مختلف السلطات العمومية ومؤسسات البحث والتكوين والمقاولات والجمعيات والهيئات المهنية والثقافية والاجتماعية، والمواطنين...) ..
كما أن هذا التأثير لا يتم إلا من خلال :
. تنمية شبكات النقل والمواصلات
تغيير المواصفات غير الملموسة للجماعات الترابية كالثقافة المشتركة، التي يعبثها الفاعلون في منطقة معينة ضمن أنشطتهم اليومية، والتي تؤثر على مقدرتهم في التنمية، والتجديد والتغييرة
الطريقة التي يأخذ بها هؤلاء الفاعلين عند وضع وتنفيذ السياسات العمومية الترابية.
للإطلاع والتحميل
What's Your Reaction?