مقال حول موضوع أثر الرقمنة والذكاء الاصطناعي على نجاعة القضاء الإداري

تعتبر الرقمنة والذكاء الاصطناعي من الآليات الحديثة التي تم اعتمادها في مرفق القضاء الإداري للرفع من نجاعته وذلك من خلال تسريع وتيرة العمل القضائي وتنظيم الجلسات عن بُعد، بالإضافة إلى رقمنة الملفات القضائية وحفظها بشكل إلكتروني، ومساعدة القاضي في تحليل المعطيات القانونية، وأحيانًا اقتراح حلول أو قرارات استنادًا إلى معطيات سابقة، غير أن هذا التقدم يثير عدة تحديات، أهمها خطر التأثير على استقلالية القاضي، والمساس بحقوق الأفراد وحرياتهم بالإضافة إلى الإرهاصات المرتبطة بحماية البيانات الشخصية وضمان المحاكمة العادلة.

مقال حول موضوع أثر الرقمنة والذكاء الاصطناعي على نجاعة القضاء الإداري

رابط التحميل أسفل التقديم:

مقدمة

شهد العالم في العقود الأخيرة تحولات عميقة بفعل الثورة الرقمية والتطور المتسارع في تقنيات الذكاء الاصطناعي، ما أثر على جميع القطاعات بما في ذلك قطاع العدالة، وفي هذا السياق، لم يكن القضاء الإداري بمنأى عن هذه التحولات، بل أصبحمعنيا بشكل مباشر بمواجهة التحديات واغتنام الفرص التي تتيحها الرقمنة والتقنيات الذكية، خاصة وأن تعزيز الثقة في القضاء، باعتباره الحصن المنيع لدولة القانون، والرافعة الأساسية للتنمية، يشكل أحد التحديات التي يجب رفعها بتطوير العدالة وتحسين أدائها لمواكبة التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي تشهدها مختلف المجتمعات.

وفي هذا الصدد، أكد إعلان مراكش حول موضوع استقلال السلطة القضائية بين ضمان حقوق المتقاضين واحترام قواعد سير العدالة على ضرورة استحضار البعد الرقمي في تدبير مرفق العدالة ضمن مبادئ ترسيخ حكامة الإدارة القضائية وتعزيز نجاعتها، وذلك عن طريق تطوير الإدارة القضائية من خلال اتخاذ الإجراءات والقواعد الكفيلة بضمان حسن أدائها الوظيفي وتوجيهها استراتيجيا لتحقيق النجاعة وجودة الخدمات القضائية في إطار من المسؤولية والشفافية، إضافة إلى اتخاذ الإجراءات العملية لتسهيل الولوج إلى العدالة، وترشيد تدبير الزمن القضائي وتيسير البت داخل أجل معقول، وضمان الحق في الوصول إلى المعلومة القانونية والقضائية، ومأسسة الوسائل البديلة لحل المنازعات من أجل مواجهة تحدي التحول الرقمي للعدالة من خلال تحديث خدمات الإدارة القضائية، والتوظيف الأمثل للتكنولوجيات الحديثة للإعلام والتواصل في مجال العدالة والتجسيد اللامادي للإجراءات والمساطر، وإرساء مقومات المحكمة الرقمية .

ولما كانت الرقمنة تروم تبسيط الإجراءات القضائية، وتسريع البت في النزاعات، وتحسين ولوج المرتفقين إلى المعلومة القضائية، فقد أضحى الذكاء الاصطناعي يتجاوز ذلك ليلعب وظيفة القاضي الإداري من خلال تطبيقه القواعد القانونية الموجودة على جميع المسائل والقضايا المعروضة عليه، مما يدفعنا للتساؤل حول مستقبل وظيفة القاضي الإداري، وحدود تدخل الآلة في مجال يقوم جوهره على التقدير الإنساني والاجتهاد القانون؟

في محاولة منا للإجابة عن الإشكالية المثارة، وفق منهج وصفي تحليلي، سنقسم الموضوع إلى محورين، تتطرق في المحور الأول منه الدور الرقمنة والذكاء الاصطناعي في تطوير أداء القاضي الإداري، مع تخصيص المحور الثاني للتحديات القانونية والأخلاقية التي تطرحها هاله الآليات الحديثة.

المحور الأول: دور الرقمنة والذكاء الاصطناعي في تطوير أداء القاضي الإداري كمدخل لتحديث القضاء الإداري

أصبح التحول الرقمي واستعمال التكنولوجيا الحديثة أحد أركان الإصلاح القضائي ببلادنا، وقد ساهمت جائحة كوفيد 19 والتي أدت إلى الإعلان عن حالة الطوارئ الصحية إلى تسريع وتيرة رقمنة مرفق العدالة، وفرضت ضرورة استعمال أدوات التكنولوجيات الجديدة بهدف ضمان استمرارية المرافق العامة (أولا).

وفيما يخص الذكاء الاصطناعي فإن بوادر استعماله في المحاكم الإدارية، وإن كانت لا تزال في مرحلة أولية، إلا هناك مؤشرات واضحة على وجود رغبة مؤسسانية قوية لتبني هذه التقنية في المستقبل القريب ضمن رؤية رقمنة مرفق العدالة (ثانيا).

أولا: مساهمة الرقمنة في تسريع الإجراءات بالمحاكم الإدارية

تجد الدعوة إلى استعمال الرقمية في خدمة العدالة مرجعياتها في الخطب الملكية وفي المبادئ الدستورية المنصوص عليها في كل من الفصلين 120 و 154 من الدستور المغربي، حيث أكد في الفصل 120 للمذكور على أنه "لكل شخص الحق في محاكمة عادلة وفي حكم يصدر داخل أجل معقول"، في حين جاء في الفصل 154 المشار إليه أنه "يتم تنظيم المرافق العمومية على أساس المساواة بين المواطنات والمواطنين في الولوج إليها، والإنصاف في تغطية التراب الوطني، والاستمرارية في أداء .....الخدمات

كما يجد التحول الرقمي المرفق العدالة مرجعيته في الميثاق الوطني الإصلاح منظومة العدالة لسنة 2013، الذي أكد على أهمية إدماج الرقمنة في إطار المنظور الشامل لإصلاح النظام القضائي، إضافة إلى المخطط الاستراتيجي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية 2021-2026، وكذا للمخطط التوجيهي للتحول الرقمي للعدالة في المغرب والذي حدد أهدافه الاستراتيجية فيما يلي:


للإطلاع والتحميل

What's Your Reaction?

like
1
dislike
1
love
1
funny
0
angry
0
sad
0
wow
0