مقال حول موضوع أزمة النظرية العامة للعقد بين إرهاصات التحول الاقتصادي والاجتماعي وسياسة العقد الموجه

جاءت النظرية العامة للعقد نتيجة  إصلاح أو تقنين القانون المدني الفرنسي لسنة 1804 الذي جاء مضمنا أو مشبعا بأفكار الثورة الفرنسية، والذي كرس ما يسمى بالحرية العقدية أو ما يصطلح عليه بمبدأ حرية التعاقد الذي يجسد فلسفة الحرية الاقتصادية، بشكل يجعل من الإرادة وحدها هي المهيمنة في مجال العقود، ولا يمكن أن يلتزم الشخص من الخارج، أي خارج إرادته، فلا المشرع ولا القاضي يمكنه أن يلزم الأفراد بما يخالف إرادتهم. وبالتالي فالنظرية العامة للعقد قد بنيت على مجموعة من المبادئ والافتراضات التي تعبر عن ما هو كائن بخصوص نظام القانون المدني الفرنسي آنذاك الذي يعد ملزما لجميع أو لعدد كبير من الأنظمة القانونية عبر العالم، ولذلك فشمولية النظرية العامة للعقد وجدت مبررا لها في تلكم الفلسفة التي حملتها الثورة الفرنسية والتي انعكست من خلال مبدأ سلطان الإرادة  أو المذهب الفردي في إطار القانون المدني.

مقال حول موضوع أزمة النظرية العامة للعقد بين إرهاصات التحول الاقتصادي والاجتماعي وسياسة العقد الموجه

رابط التحميل أسفل التقديم:

Résumé

جاءت النظرية العامة للعقد نتيجة  إصلاح أو تقنين القانون المدني الفرنسي لسنة 1804 الذي جاء مضمنا أو مشبعا بأفكار الثورة الفرنسية، والذي كرس ما يسمى بالحرية العقدية أو ما يصطلح عليه بمبدأ حرية التعاقد الذي يجسد فلسفة الحرية الاقتصادية، بشكل يجعل من الإرادة وحدها هي المهيمنة في مجال العقود، ولا يمكن أن يلتزم الشخص من الخارج، أي خارج إرادته، فلا المشرع ولا القاضي يمكنه أن يلزم الأفراد بما يخالف إرادتهم.

وبالتالي فالنظرية العامة للعقد قد بنيت على مجموعة من المبادئ والافتراضات التي تعبر عن ما هو كائن بخصوص نظام القانون المدني الفرنسي آنذاك الذي يعد ملزما لجميع أو لعدد كبير من الأنظمة القانونية عبر العالم، ولذلك فشمولية النظرية العامة للعقد وجدت مبررا لها في تلكم الفلسفة التي حملتها الثورة الفرنسية والتي انعكست من خلال مبدأ سلطان الإرادة  أو المذهب الفردي في إطار القانون المدني.

 وفي الحقيقة فإن اعتماد مبدأ سلطان الإرادة  بهذه الصورة في النظرية العامة للعقد جاء افتراضا أو مراعاة لواقع تمثل في تساوي المراكز العقدية للمتعاقدين، وبالتالي حمل معه ضرورة منح حرية  أكبر لهؤلاء في تنظيم شؤونهم العقدية، ومن هنا جاء  مبدأ القوة الملزمة للعقد، بحيث لا يجوز للمتعاقدين تعديله أو نقضه، كما عبر عن ذلك نص الفصل 230 من قانون الالتزامات والعقود المغربي إلا باتفاق الطرفين. هذا المبدأ الذي  تضمنته القوانين المدنية المعاصرة وجد بيئة خالصة سمحت له بأن  تخضع له جميع أنواع  العقود. غير أنه بالنظر إلى تطور الحياة الاقتصادية أولا والحياة الاجتماعية أو التطور التكنولوجي ثانيا الذي مس جميع المجتمعات، جعل من هذا الافتراض الذي قامت عليه النظرية العامة للعقد افتراض غير كامل أو غير كاف لأن تسوس جميع العقود. من هنا ظهرت أو بدأت بوادر أزمة تمس هذه النظرية العامة للعقد، مما دفع بالمشرعين أو بالتشريعات إلى ضرورة العمل على رأب ما انعكس سلبا في إطار هذه النظرية.  فلوحظ وجود فجوة معرفية بين المتعاقدين، وبالتالي لم يعد من الكافي الحديث عن سلامة الرضا أو سلامة الإرادة، وإنما الدعوة إلى وجود إرادة مشتملة، إضافة إلى كونها سليمة، كذلك من مظاهر أو بوادر هذه الأزمة  ما يسمى بالشروط التعسفية، وبالتالي فرض أحد المتعاقدين لإرادته الاقتصادية على المتعاقد الآخر.

 لذلك نلاحظ مؤخرا أن التشريعات الحديثة بدأت محاولة إصلاحها لهذا الأمر عبر التدخل في تحديد مضمون العقد في ظل تغير البيئة التعاقدية، فقد ظهرت عقود غير مألوفة في النظرية العامة التقليدية للعقد، كما أن المساواة المجردة التي كرسها المذهب الفردي لم تعد ذات فعالية في ظل اختلال التوازن بين الأطراف المتعاقدة، لذلك لابد من إقامة المساواة الفعلية بين هذه الأطراف بتوجيه الإرادة عن طريق آلية النظام العام الاقتصادي بشقيه التوجيهي والحمائي، حيث أصبح العقد أكثر تأثرا بالمصلحة العامة والنظام العام الاقتصادي، مما أبرز سياسة جديدة للدولة في حماية العلاقة التعاقدية، وهو ما يؤكد على ضعف مبادئ النظرية العامة للعقد من خلال إرساء نظام عام اقتصادي توجيهي حمائي يهدف إلى تقوية العلاقة التعاقدية وحماية المتعاقد الضعيف. ومن تمت تحول وظيفة الدولة من الدولة الحارسة للعقد إلى الدولة الحامية أو الراعية للعقد بشكل يجعل من هذا الأخير آلية لخدمة السياسة الاجتماعية والاقتصاد الموجه، وهذا ما يفسر استصدار المشرع لما يسمى بالعقود الخاصة والمنفصلة عن قواعد القانون المدني؛ كعقد الاستهلاك وعقد الشغل وعقد التأمين وغيرها من العقود، ولم يسعى إلى تعديل القانون المدني بما يتلاءم مع هذه التحولات الاقتصادية والاجتماعية، وهذه العقود تتميز بخاصية احتوائها على القواعد الآمرة، وهذا ما جعل التدخل التشريعي يؤثر على الحرية التعاقدية التي كرسها القانون المدني، مما أثار جدلا بين الفقهاء وأصبح الحديث عن أزمة العقد، أي أن الحرية العقدية كأساس للعقد ضمن النظرية التقليدية للعقد لم تعد قادرة على الانسجام والتلاؤم والمواءمة مع هذه التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي يشهدها العالم.

 وهكذا يمكننا القول أن عدم التوازن الذي يطبع العلاقة التعاقدية اليوم غير مفترض في إطار النظرية العامة للعقد القائمة أساسا على مبدأ سلطان الإرادة والتي تفترض تساو معرفي وتساو اقتصادي، وبالتالي تساوي واقعي بين المتعاقدين الذي انعكس على مراكزهم القانونية، ومن تم نصل إلى أن التشريعات الحديثة حاولت تضمين  العقود بما لا يوجد في إطار النظرية العامة للعقد من خلال نصوص أخرى حملت معها مثلا التزامات جديدة كالالتزام بالإعلام ومكافحة الشروط التعسفية من خلال قوانين خاصة كما هو حاصل بالنسبة القانون المدني الفرنسي من خلال مدونة عامة لحماية المستهلك بمقتضى القانون رقم 949 – 93 والصــادرة في 26 يوليوز 1993، وكما هو حاصل كذلك بالنسبة للقانون المغربي بخصوص قانون حماية المستهلك رقم 31.08، وبالتالي نجد أن معالجة مسألة عدم التوازن وجدت حلولا لها خارج إطار النظرية العامة للعقد، مما أثر سلبا على شموليتها، إذ لم يعد من الكافي  الحديث عن مبدأ سلطان الإرادة.

ومن تم نجد أن هاته التطورات الحاصلة على مستوى العقود دفعت بالكثير من الفقهاء إلى محاولة تأسيس جديد  أو تأسيس تكميلي لهذه النظرية، إضافة إلى مبدأ سلطان الإرادة، ونجد على رأسهم الفقيه جار كيستان الذي حاول إعطاء بعد جديد لهذه النظرية أو تأسيس جديد لهذه النظرية من خلال حديثه على مبدأ العدالة أو النفع، وبالتالي نجد أن مبدأ سلطان الإرادة الذي كان هو المبدأ الوحيد والأوحد الذي تقوم عليه النظرية العامة للعقد لم يعد من الكافي الحديث عنه كونه صار ناقصا ويحتاج إلى تكملة من خلال مبادئ أخرى وعلى رأسها مبدأ العدالة. وهنا نفتح قوسين بخصوص إعمال مبدأ العدالة في إطار النظرية العامة للعقد كان مدعاة للحديث عن  أبعاد جديدة  لم تتضمنها هاته النظرية في إطارها الطبيعي، ألا وهو القانون المدني، فالحديث عن التضامن بين المتعاقدين والحديث عن التعاون بين المتعاقدين لم يكن قائما في إطار النظرية العامة للعقد(.

ومن هنا تتمحور إشكالية هذا البحث حول حدود الاعتداد بمبدأ سلطان الإرادة وقوته على تكوين العقد وتحديد آثاره في ظل التدخل التشريعي في العقود تحت تأثير التحولات الاقتصادية والاجتماعية الراهنة.


للإطلاع والتحميل

What's Your Reaction?

like
0
dislike
0
love
1
funny
0
angry
0
sad
0
wow
0