مقال حول موضوع الدور الاقتصادي الجديد للدولة بالمغرب سؤال المرجعيات وتحديات التماسك الاجتماعي

يتسم نشاط الإدارة في الدولة الحديثة بتعدد وتنوع مجالاته؛ فإذا كانت إدارة المرافق العامة وحفظ الأمن من الوظائف الأساسية للدولة، فإن نشاطها قد اتسع ليمتد إلى المجالين الاقتصادي والاجتماعي (1). و باعتبارها مجالا لتوافق أو صراع الطبقات، لم تكن الدولة يوما محايدة؛ فهي تحمل فلسفة وتوجهها تصورات، كما تعبر عن إيديولوجية متغيرة في الزمان والمكان تتولى تحديد معالم دورها باستمرار (2). بيد أن ذلك ليس مسوغا المجعل الدولة أداة لاستقواء جهة على أخرى، بقدر ما هي نظام قانوني يفترض فيه الوقوف على ذات المسافة من الأطراف كافة باعتبار قوانين الدولة وسلطتها حامية للجميع.

مقال حول موضوع الدور الاقتصادي الجديد للدولة بالمغرب سؤال المرجعيات وتحديات التماسك الاجتماعي

رابط تحميل المقال اسفل التقديم

يتسم نشاط الإدارة في الدولة الحديثة بتعدد وتنوع مجالاته؛ فإذا كانت إدارة المرافق العامة وحفظ الأمن من الوظائف الأساسية للدولة، فإن نشاطها قد اتسع ليمتد إلى المجالين الاقتصادي والاجتماعي (1). و باعتبارها مجالا لتوافق أو صراع الطبقات، لم تكن الدولة يوما محايدة؛ فهي تحمل فلسفة وتوجهها تصورات، كما تعبر عن إيديولوجية متغيرة في الزمان والمكان تتولى تحديد معالم دورها باستمرار (2). بيد أن ذلك ليس مسوغا المجعل الدولة أداة لاستقواء جهة على أخرى، بقدر ما هي نظام قانوني يفترض فيه الوقوف على ذات المسافة من الأطراف كافة باعتبار قوانين الدولة وسلطتها حامية للجميع.

لقد تأثر المرفق العام على نحو جلي بالأفكار والإيديولوجيات والآراء الفقهية التي أفرزت تحولا تدريجيا على مستوى التصورات السائدة حول دور الدولة ومختلف الأشخاص المعنوية العامة (3). فمفهوم المرفق العام عينه لم يكن بمنأى عن تأثير الإيديولوجية السائدة في كل بلد، وما ينهض دليلا

(1) محمد مرغنی، المبادئ العامة للقانون الإداري المغربي المقارن ج الثاني، ط. 1978، ص. 227. (2) El Moutsoukil Abdelah, Les Grands services publics, REMALD, Rabat, coll. Manuels et travaux universitaires », nº 13, Je éd., 1999, p. 27.

(3) Rousset Michel et Benabdallah Mohamed Amine, le Service public au Maroc, REMALD, Rabat, coll. Manuels et travaux universitaires, n° 109, 2015, p. 25.

260

مصطفى علوش

على ذلك هو غياب تعريف موحد له؛ فالمذهب السائد في دولة ما يمتد أثره بالضرورة إلى وظيفة الدولة وطبيعة المهام المنوطة بها ومداها، فضلا عن وقع ذلك على النظام القانوني للمرافق العامة نفسه (4). في خضم ذلك، يعد موضوع دور الدولة في التنمية إحدى الإشكاليات الكبرى التي أثارت وما زالت

تثير الكثير من الجدل والنقاش بين مختلف تيارات الفكر الاقتصادي، ومدارس العلوم السياسية. سجال زادت حدته مع تحولات الوضع الدولي؛ فقد شكل هذا الموضوع أساس الصراع الإيديولوجي بين الرأسمالية والاشتراكية، بل موضوع خلاف أيضا بين مكونات الفكر الرأسمالي الليبرالي نفسه خاصة بين المذهب الكينزي الذي يؤكد على ضرورة تدخل الدولة لضمان الاستقرار وتحقيق التوازن، وبين المذهب الليبرالي الجديد أو «النيوليبرالي» الذي ينظر إلى الدولة كمعرقل للتطور الطبيعي للاقتصاد، وبالنتيجة سببا للأزمات التي طاولت المنظومة الرأسمالية منذ أوائل سبعينيات القرن العشرين (5). غير أن تدخل السلطة العامة في الاقتصاد لا يُفيد بالضرورة مباشرتها لعملية الإنتاج والتوزيع، بل في وسعها أيضا التدخل بواسطة آلية أخرى تتمثل في التقنين (La réglementation) (6). وبهذا المعنى، فتدخل الدولة في الاقتصاد يأخذ شكلين تدخل مباشر عبر أنشطة الإنتاج والتوزيع، وآخر غير مباشر قوامه توجيه الاقتصاد عبر جملة من الآليات القانونية والمؤسساتية، والتي ترسم الدولة من خلالها معالم النموذج الاقتصادي الذي ترغب في نهجه.

وفي أعقاب استقلال أغلب الدول النامية، وجدت هذه الأخيرة نفسها إزاء واقع تردي وتأخر مؤشرات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، مما استلزم تدخلا كبيرا من جانب الدولة لتوفير شروط الإقلاع الاقتصادي وتعزيز شرعيتها. ويتجسد ذلك في الحضور الكبير للمؤسسات والمقاولات العمومية في العديد من القطاعات الاقتصادية وفوق ذلك، فالتدخل القوي للدولة في المجال الاقتصادي بالدول النامية كان محكوما بضرورة إرساء قواعد التنمية الاقتصادية والاجتماعية في سياق مطبوع بوجود قطاع خاص ضعيف لم يفلح في النهوض بالدور المطلوب منه على أحسن وجه.

غير أن الدول النامية شهدت منذ ثمانينيات القرن المنصرم أزمة أدت إلى إعادة النظر في هيمنة الدولة على الاقتصاد والمجتمع؛ فيفعل انهيار أسعار المواد الأولية وتفاقم مشكل المديونية، وجدت هذه الدول نفسها أمام ضرورة الانخراط في برامج التقويم الهيكلي بإيعاز من المؤسسات المالية الدولية. لقاء ذلك بادرت هذه الأخيرة بإعادة جدولة ديون الدول المعنية، والتي ترافقت مع فرض الانفتاح الاقتصادي للحد

(4) مليكة الصروح، نظرية المرافق العامة الكبرى دراسة مقارنة، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، ط. الثانية، 1992، 9ص 8 و

(5) ادريس آيت الشيخ العولمة وانعكاساتها السياسية والقانونية»، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون العام، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية أكدال جامعة محمد الخامس بالرباط، 2001-2002، ص 77 (6) Maya Bacache & Beauvallet Florian Mayneris, le Rôle de l'Etat fondements et réformes, Ed. Bréal, Paris, coll. Thèmes et débat, 2006, p. 45.

المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية عدد 154، شتنبر اکتوبر 2020

رابط التحميل

https://drive.google.com/file/d/1NSSD41B4nHQ6nf0uRKeSlGfgf-9-boP5/view?usp=drivesdk

What's Your Reaction?

like
0
dislike
0
love
0
funny
0
angry
0
sad
0
wow
0