كتاب : قانون الميزانية العامة ورهان الحكامة المالية الجيدة
تشكل ميزانية الدولة، التي يصدر بربطها قانون مالية السنة، أداة أساسية لتنفيذ السياسات العمومية وتنزيل الاستراتيجيات القطاعية وإنجاز برامج العمل الحكومي الموضوعة في سبيل تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية والمجالية وضبط التوازنات المالية. ولا غرو أن بلوغ هاته . الأهداف لا يتوقف فقط على حجم الكميات المالية التي تتصرف فيها الدولة، بل يستوجب أيضا ترشيد الاختيارات الميزانياتية من جهة أولى وتحديث أنماط التدبير المالي والمحاسبي من جهة ثانية وتجويد أساليب وتقنيات التتبع والمراقبة والتقييم من جهة ثالثة. لقد راكم المغرب منذ حصوله على الاستقلال، تجربة رائدة غير مكتملة طبعا، ولكنها متقدمة، مقارنة مع الدول التي توجد في نفس مستوى نمو المغرب، وذلك في مجال التشريع المالي والتدبير العمومي المالي والرقابة المالية وتقييم السياسات العمومية. فبلادنا تتوفر اليوم على إطار قانوني مرجعي عصري، تم وضعه بشكل مت
رابط التحميل أسفل التقديم:
تقديم
تشكل ميزانية الدولة، التي يصدر بربطها قانون مالية السنة، أداة أساسية لتنفيذ السياسات العمومية وتنزيل الاستراتيجيات القطاعية وإنجاز برامج العمل الحكومي الموضوعة في سبيل تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية والمجالية وضبط التوازنات المالية.
ولا غرو أن بلوغ هاته . الأهداف لا يتوقف فقط على حجم الكميات المالية التي تتصرف فيها الدولة، بل يستوجب أيضا ترشيد الاختيارات الميزانياتية من جهة أولى وتحديث أنماط التدبير المالي والمحاسبي من جهة ثانية وتجويد أساليب وتقنيات التتبع والمراقبة والتقييم من جهة ثالثة.
لقد راكم المغرب منذ حصوله على الاستقلال، تجربة رائدة غير مكتملة طبعا، ولكنها متقدمة، مقارنة مع الدول التي توجد في نفس مستوى نمو المغرب، وذلك في مجال التشريع المالي والتدبير العمومي المالي والرقابة المالية وتقييم السياسات العمومية.
فبلادنا تتوفر اليوم على إطار قانوني مرجعي عصري، تم وضعه بشكل متدرج وتراكمي ينظم ويحكم كافة العمليات الميزانياتية والمحاسبية المرتبطة بدورة الميزانية من إعداد و اعتماد وتنفيذ ورقابة وتقييم. وقد تم إخضاع هذا الإطار للمراجعة وإعادة النظر بشكل دوري ومنتظم لجعله متوافقا ومنسجما مع النموذج التنموي للمغرب ومشروعه الحداثي الديمقراطي، وكذا مع التحولات التي يشهدها العالم في الميدان الاقتصادي والمالي.
ورغم أن المغرب لم يتأثر كثيرا بمفاعيل الأزمة المالية لعام 2008، التي هزت أركان الاقتصاد العالمي وقوضت دعائم الكثير من الاقتصاديات ( اليونان البرتغال، إسبانيا ...). وما استوجب ذلك من تكييفات وتغييرات جوهرية على صعيد المبادئ والمقاربات الميزانياتية واتجاه النظم . المالية إلى تبقي أنماط التدبير العمومي الجديد المستمدة من مالية المقاولة ونظام تدبيرها. فقد انخرط المغرب مبكرا، قبل هذه الأزمة بسنوات في ورش إصلاح منظومته المالية.
فقي 25 دجنبر 2001 أصدر الوزير الأول منشورا يحمل رقم 12/2001 يتعلق بملاءمة برمجة ميزانية الدولة وتنفيذها مع اللاتركيز حيث من خلاله جميع القطاعات الحكومية على ضرورة اعتماد مقاربة جديدة التدبير المالي للدولة، ترتكز على إعمال منهجية جديدة التدبير الميزانية تقوم على النتائج، وكذا إقرار الشمولية في اعتمادات الميزانية ..... كما أكد هذا المنشور على أن تطبيق الإجراءات المذكورة ، يتطلب إصلاح نظام المراقبة المالية التحسين طبيعة تدخلها وتحويل مسؤولية أكبر للأمرين بالصرف، وتخفيف الرقابة القبلية وتقوية الرقابة البعدية.
فعلى ضوء هاته التوجهات قامت الحكومة، بشكل متدرج وتجريبي، بإنجاز سلسلة من الإصلاحات المالية تجسدت بالأساس في اعتماد مقاربات ميزانياتية حديثة مثل شمولية الاعتمادات والتدبير المندمج للنفقات والتدبير المرتكز على النتائج بدل الوسائل وميزانية النوع الاجتماعي والتوزيع الجهوي للاستثمارات العمومية ومراقبة نفقات الدولة (مراقبة الالتزام ومراقبة الأداء. المراقبة التراتبية المخففة والمراقبة التراتبية المقرونة بتخفيف إضافي) وقاعدة التسوية أو السنة (Regle de l'earice) بدل قاعدة الصندوق أو الخزينة Règle de la cane)
إن هذه الإصلاحات على أهميتها، ظلت جزئية لا تؤطرها رؤية شمولية ومندمجة، كما أن بعضها لم يكن يستند إلى أساس دستوري أو تشريعي، بل مستلهم من القانون التنظيمي الفرنسي رقم 2001 - 622 لقوانين المالية الصادر في 01 غشت 2001، إلى أن أتي دستور المملكة لعام 2011 الذي وضع حدا لهذه المقاربة التجزيئية والتجريبية من خلال تكريسه المبادئ والمرتكزات الرئيسية التي يجب أن تشكل قاعدة ومرجعا يتأسس عليه إصلاحالمالية العمومية مثل مبدأ العدالة في تحمل التكاليف العمومية (الفصل (39) ومبدأ التضامن هي تحمل التكاليف التي تتطلبها تنمية البلاد وكذا الأعباء الناتجة عن الآفات والكوارث الطبيعية ( الفصل (4) وعبدا لا تكليف ولا ضريبة إلا بقانون ( الفصلان 39 و 71 من الدستور ومبدأ الترخيص البرلماني (الفصل (7) ومبدأ التوازن المالي ( الفصل (77) ومبدأ أولوية مجلس النواب على مجلس المستشارين في المادة المالية ( الفصلان 175 / فقرة 1 و 174 /فقرة (2) ومبادئ وآليات الحكامة المالية ( الفصول 1 / المقطع الأخير و 36 و 147 و 148 و 149
و 150 و 167) ومبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة ( الفصل 1).
وتفعيلا لهذه المبادئ الموجهة وتأكيدا لها صدر القانون التنظيمي الجديد رقم 130.13 القانون المالية بتاريخ 2 يونيو 2015 ضمن سياق يتسم بإطلاق المغرب الجملة من الإصلاحات البنيوية الكبرى بغية تقوية دولة الحق والقانون وتحديث الهياكل الاقتصادية والمالية وتعزيز تنافسيتها وإرساء الدعائم الكفيلة بتحقيق حكامة مالية جيدة.
وقد استهدف هذا الإصلاح تحيين وملاءمة القانون التنظيمي لقانون المالية مع المقتضيات الدستورية الجديدة وتقوية دور قانون المالية كأداة لتنزيل السياسات العمومية وضمان تحقيق التوازن المالي وتعزيزه وتقوية شفافية المالية العمومية ومصداقية التوقعات والحسابات وتيسير مقروئية الميزانية وتدعيم دور البرلمان في مجال المراقبة المالية وفي تقييم السياسات العمومية. كما ارتكز هذا القانون التنظيمي على ثلاث محاور استراتيجية تتعلق بتحسين نجاعة أداء التدبير العمومي وتعزيز المبادئ والقواعد المالية وتقوية شفافية المالية العامة وتعزيز الدور الرقابي للبرلمان على المالية العمومية.
كما أنه لا يخفى على كل متفحص لبيب ما لهاته الدينامية من أثر مباشر في دعم وتشجيع الاستثمار، وفي إقامة مشاريع استثمارية أو دعم المشاريع القائمة وتطويرها وزيادة معدلات النمو الاقتصادي، والترويج للبيئة الاستثمارية والفرص المتاحة وتقديم التسهيلات للمستثمرين، وهو ما يجب أن ينعكس إيجابا على أوضاع الاقتصاد الوطني وقدراته على توليد فرص عمل جديدة واستحداث وظائف جديدة بشكل ملموس وتحسين مستويات الأجور ومعالجة الاختلالات والتفاوتات الاجتماعية، وتوسيع منظومة الحماية الاجتماعية لكل الطبقات الاجتماعية.
وفي ظل الظروف الإقليمية والجهوية الصعبة التي تمر منها منطقة الفضاء المتوسطي وشمال إفريقيا والتي تتراجع فيها الاستثمارات، فإنه لا بد من ضرورة إحكام لبنات قوانين المالية كوسيلة لتفعيل الاستثمارات المحلية والخارجية والعمل على إزالة وتخفيف معوقات الاستثمار وخلق الثقة بين كل الفاعلين وخلق كل التوازنات التي بها يمكن أن يصل الجميع
إلى بر الأمان.
رابط التحميل
What's Your Reaction?