أطروحة لنيل الدكتوراه بعنوان إصلاح مؤسسة المسؤولية المدنية في ضوء التحولات القانونية والاقتصادية والاجتماعية المعاصرة
احتلت مؤسسة المسؤولية المدنية مكانة مهمة في الفكر القانوني، وازدادت أهميتها ومركزيتها في الوقت الراهن، لا لشيء سوى لأنها القلب النابض للقانون، وما دام هذا الأخير هو مرأة المجتمع، فإن المسؤولية محركه الأساسي، تنصب على فض المنازعات والخصومات المثارة بشأنه، فكلما تطورت الحياة الإنسانية إلا وازدادت تعقيدا، هذا ما جعل أحكامها تمثل الحلول القانونية للمشاكل التي أفرزها الواقع المعيش، سواء تعلق الأمر بتنفيذ الالتزامات، أو التعويض عن الأضرار اللاحقة بالأفراد، أو بإرجاع الحال إلى ما كان عليه في السابق.
رابط تحميل المقال أسفل التقديم
مقدمة
احتلت مؤسسة المسؤولية المدنية مكانة مهمة في الفكر القانوني، وازدادت أهميتها ومركزيتها في الوقت الراهن، لا لشيء سوى لأنها القلب النابض للقانون، وما دام هذا الأخير هو مرأة المجتمع، فإن المسؤولية محركه الأساسي، تنصب على فض المنازعات والخصومات المثارة بشأنه، فكلما تطورت الحياة الإنسانية إلا وازدادت تعقيدا، هذا ما جعل أحكامها تمثل الحلول القانونية للمشاكل التي أفرزها الواقع المعيش، سواء تعلق الأمر بتنفيذ الالتزامات، أو التعويض عن الأضرار اللاحقة بالأفراد، أو بإرجاع الحال إلى ما كان عليه في السابق.
يدل كل ذلك، على أن مؤسسة المسؤولية المدنية المكمة الأساسية لتفادي وقوع الأضرار بغض النظر عن طبيعتها من جهة، والتعويض عنها في حالة تحققها من جهة ثانية، ومن خلال ذلك تهدف هذه المؤسسة القانونية إلى استقرار المعاملات، وضمان الحقوق وآثار الالتزامات القانونية، سواء كانت ناشئة عن الالتزامات التعاقدية، أو مفروضة بقوة القانون.
فضلا عن ذلك، تسعى مؤسسة المسؤولية المدنية إلى ضمان الأمنين القانوني والقضائي، وإذا تحقق ذلك تحقق معه السلم والأمن الاجتماعيين، يعبر كل ذلك في الحقيقة عن توجهات المجتمع في كل مرحلة زمنية من صح القول، مما يؤكد أن المجتمعات قاطبة بما فيها المجتمع المغربي لم تستقر على حال معين يفضل التطور العلمي والتكنولوجي الهائل، هذا إن دل على شيء فإنه يدل على عدم استقرار أسس وقواعد المسؤولية المدنية، لا لشيء سوى لأن القانون عامة والمسؤولية المدنية على وجه الخصوص تلهث دوما وراء كل تطور حاصل على مستوى المعطيات الاقتصادية والاجتماعية المعاصرة.
وإذا كانت مؤسسة المسؤولية المدنية تودي وظائف هامة مبدئيا، جعلتها تتميز عن غيرها من المؤسسات القانونية الأخرى، فإن موقعها في الوقت الراهن لم يأت صدفة، بل مرت في مجملها بمراحل زمنية مختلفة، لم تكن في أول نشأتها واضحة المعالم، وفي كل حقبة زمنية إن صح القول تعبر بطريقة أو بأخرى عن أفكار وتوجهات المجتمع، فكلما تغير هذا الأخير إلا وانعكس على التوجه العام للمسؤولية، مما أضفى عليها قيمة معرفية منقطعة النظير في الحقل القانوني.
وترجع الإرهاصات الأولى للمسؤولية المدنية إلى المجتمعات القديمة التي ساد فيها الانتقام الجماعي والفردي، الكانت قوانين تلك الحقبة بحول للضحية أن ينار لنفسه وأن يلحق الأذى بمن أضره، وقد استمر هذا القصاص زمنا طويلا. وفي مرحلة أخرى استبدل القصاص بالدية الاختيارية، ثم صارت إجبارية ومحددة القيمة سلفا حسب كل جريمة واستثنى من ذلك بعض الجرائم الخاصة، كجرائم الاعتداء على الشرف التي ظل فيها حق المجني عليه في الأخذ بالثار، ولما ظهر أن بعض الجرائم لا يقتصر ضررها على الأفراد بل يشمل المجتمع برمته، رأت السلطة المركزية أن من واجبها حماية المجتمع برمته، وهكذا اعتبرت نفسها صاحبة الحق في العقاب على الجرائم العامة باسم المجتمع، وغيرت حق المتضرر في استحقاق الآية إلى الحق في التعويض، وبذلك نشأ هذا الحق على أنقاض حق الثار، وهكذا نشأت المسؤولية المدنية في أحضان المسؤولية الجنائية، الطبعت بطابعها وتأثرت بأحكامها.
أما في القانون الروماني فقد نص على جرائم عامة وجرائم خاصة، فكانت تطبق العقوبات الواردة في الفئة الأولى على الجرائم الماسة بالسلطة العامة، بينما تطبق العقوبات
المحددة في الفئة الثانية على الاعتداءات الواقعة على الأشخاص. وهكذا اتصفت المسؤولية المدنية في هذا القانون بالصبغة الجنائية، والتي حولت للمجني عليه حق رفع الدعوى على الجاني، وأن العقوبة الخاصة التي كانت توقع على هذا الأخير عبارة عن غرامة جنائية خاصة يتقاضاها الضحية عن الضرر الذي تسببت فيه الجريمة، وفي مقابل ذلك، نظم نفس القانون أحكام العقد باعتباره أهم مصدر من مصادر الالتزامات، وكانت تتظله مجموعة من الأشكال والطقوس السائدة في المجتمع الروماني .
وتبعا لذلك، تميزت المسؤولية التقصيرية في القانون الروماني ببعض الخصائص، لعل أهمها : غياب قاعدة عامة للمسؤولية تقرر أن كل خطر ينشأ عنه ضرر يوجب التعويض، بل الحصر نطاقه في جرائم الغش والتدليس، واتصف الجزاء المقرر على الأفعال الضارة بالصيغة الجنائية، وقد تجلى ذلك في فكرة العقوبة الخاصة، ثم لم يكن الخطأ شرطا للمسؤولية، بل كان الضرر الشرط البارز فيها مما جعل فكرة الخطا غامضة ومبهمة .
وفي مرحلة زمنية أخرى كان العرب يعيشون في قبائل متفرقة لا تجمع بينهم سلطة مركزية، وكانت بين أفراد كل قبيلة عصبية قوية جعلتهم متضامنين في مواجهة القبائل الأخرى في حالة الاعتداءات الواقعة عن النفس والمال، فإذا وقع هذا الاعتداء على فرد ينتمي إلى قبيلة وأن المعتدي ينتمي إلى قبيلة أخرى، فإن قبيلة المعتدى عليه نثار لنفسها، وقد اتسم هذا الثار بالمغالاة، وترتب عنه نشوب حروب استمرت لمدد طويلة، وبعدما جاءت الشريعة الإسلامية الغراء فرقت بين الجرائم التي تقع على النفس والجرائم التي تقع على المال، حيث فرضت القصاص على الجرائم الواقعة على النفس، ووضعت حدا للثار
للتحميل اضغط على الرابط اسفله:
https://drive.google.com/file/d/1QOcG91tzoJq2ks0cDYlyCePs26q36yjE/view?usp=drive_link
What's Your Reaction?