كتاب بيع العقار في طور الإنجار شرح وتحليل النصوص القانون رقم 44.00

منذ بداية القرن العشرين طرأت تحولات جدرية على قانون العقود نتيجة لانكماش مبدأ حرية التعاقد، كما توسعت دائرة النظام العام وازدادت وثيرة إصدار القوانين الآمرة (1). وهكذا فقد أفرزت هذه العوامل مجتمعة نقاشات فقهية كثيرة بخصوص مدى تراجع النظرية التقليدية للعقد، وبالتالي بروز أحكام تعاقدية جديدة تساير تطورات العصر الراهن، من ثم اختلفت الآراء والتفسيرات المقدمة بهذا الخصوص، ففي حين يستنتج البعض مما سلف وجود «أزمة العقد (2) يتحدث البعض الآخر عن إغناء فكرة العقد، واعتمادها بعدا آخر.

كتاب بيع العقار في طور الإنجار شرح وتحليل النصوص القانون رقم 44.00

رابط تحميل الكتاب أسفل التقديم:

مقدمة

منذ بداية القرن العشرين طرأت تحولات جدرية على قانون العقود نتيجة لانكماش مبدأ حرية التعاقد، كما توسعت دائرة النظام العام وازدادت وثيرة إصدار القوانين الآمرة (1). وهكذا فقد أفرزت هذه العوامل مجتمعة نقاشات فقهية كثيرة بخصوص مدى تراجع النظرية التقليدية للعقد، وبالتالي بروز أحكام تعاقدية جديدة تساير تطورات العصر الراهن، من ثم اختلفت الآراء والتفسيرات المقدمة بهذا الخصوص، ففي حين يستنتج البعض مما سلف وجود «أزمة العقد (2) يتحدث البعض الآخر عن إغناء فكرة العقد، واعتمادها بعدا آخر.

ونحن لن نخوض هنا في طرح تفاصيل هذا الجدل ومناقشته، مكتفين بالإشارة إلى التغير الجدري الذي طال الروابط العقدية سيما بالنسبة لعقد البيع وذلك نتيجة للتحولات الاقتصادية والاجتماعية التي شهدها العالم سيما منذ مطلع القرن العشرين، ذلك أنه بجانب عقود البيع التقليدية - التي يثبت لأطرافها حرية مناقشة شروطها - ظهرت عقود بيع جديدة ومتنوعة تبرم في ظروف مغايرة، ويتمتع أحد أطرافها يتفوق اقتصادي وفعلي يمكنه من فرض شروط التعاقد على الطرف الآخر الضعيف. كما لوحظ تزايد استعمال العقود النموذجية ذات الشروط المتماثلة، والتبايع بطريقة إلكترونية ، مما أدى إلى تجريد العلاقات التعاقدية.

نتيجة لكل ذلك تقلص نطاق مبدأ سلطان الإرادة . بمقوماته الثلاثة وهي : حرية التعاقد، القوة الملزمة للعقود، وأثارها النسبية - في مجال عقد البيع بصفة خاصة وذلك بسبب تصاعد وثيرة من تنظيمات خاصة تعنى بتقنين بيوع خاصة.
وهكذا تشتت الأحكام المتعلقة بعقد البيع الذي أصبح يتطور خارج ق. ل.ع وضمن تنظيمات خاصة )، من أبرزها ظهير 3 أكتوبر 2002 الصادر بتنفيذ القانون رقم 44.00 المتعلق ببيع العقار في طور الإنجاز الذي سنتولى دراسته ضمن هذا المؤلف.
كما اقتحمت تقنيات التعاقد مجالات متعددة من أبرزها قطاع الإنعاش العقاري الذي لم يكن ليتطور لولا الدعم المستمر للسلطات العمومية التي تبدل قصارى جهدها حتى يتمكن هذا القطاع من بلوغ أهدافه الاقتصادية والاجتماعية، ويساهم في معالجة أزمة السكن المحتدمة، تحقيقا لهدف تمكين كل شخص من حقه في الحصول على مسكن.

فمن دون شك إن حاجة الفرد إلى المسكن لا تقل أهمية عن حاجته إلى الماكل والملبس، فهو لا يستطيع العيش دون مسكن يأويه، كما أنه لن يعود مواطنا صالحا ومنتجا إلا إذا وجد المسكن المناسب الذي يستريح فيه عقب يوم عمل شاق وطويل. بل من المستحيل على الإنسان أن يتفرغ إلى عمله مرتاح البال إلا إذا اطمأن على تحصيل ضروريات الحياة ومن ضمنها المسكن الذي يؤمن له كرامته.

ومن هنا تأتي أهمية بيع المحلات السكنية باعتباره يرتبط بحياة الفرد بشكل وثيق وتزداد هذه الأهمية في ظل مجتمعنا الذي يعرف منذ عدة سنوات أزمة إسكان خانقة ترتد آثارها على الكافة، سيما من الجوانب الاجتماعية والاقتصادية. وقد استفحلت هذه الأزمة إلى حد دفع بالبعض إلى السكن في أحياء من الصفيح أو دور آيلة للسقوط أو بنايات أنجزت بطريقة عشوائية بل سمعنا أن هناك من يخاصم أباه أو أخاه في نزاع محتدم حول مسكن، أو من يرتكب جرائم السرقة والنصب والاحتيال لتدير جزء من ثمنه.

وبالطبع ففي خضم هذه المعضلة تختل السوق العقارية، بحيث يصبح المعروض من الوحدات السكنية أقل بكثير من الطلب عليها، مما يستتبع - منطقيا - تنافس طالبو السكن وهم الأكثرية على المعروض منه وهو قليل. وهكذا تتكاثر المشاكل وتتفاقم مع مرور الزمن، ومن قبيل ذلك مشكل شراء الساروت، بيع محلات سكنية لأكثر من مشتر، عدم الالتزام بالأثمنة المتفق عليها، عدم تسليم المساكن المتفق على بيعها أو التأخير - في أفضل الأحوال - في تسليمها، والغش في مواد البناء... وما سوى ذلك من المشاكل العويصة التي يعرفها قطاع الإسكان عندنا منذ مدة طويلة (1).

ومن بين آثار نفس الأزمة وبالنظر لقلة المعروض من الوحدات السكنية، فقد حاول كل راغب في اقتناء مسكن أن يحمي نفسه من منافسة الآخرين الساعين إلى نفس الهدف، وأن يفوز بالأولوية عن غيره من المنافسين. وهكذا نشأت ظاهرة بيع المبنى وهو في طور الإنجاز أي تحت الإنشاء، أو حتى قبل ذلك وهو ما زال في مرحلة المشروع، أي على التصميم.

وبانصرام الزمن، ومع استفحال أزمة السكن تكاثر إقبال الأفراد تحت شدة الظروف وضغط الحاجة على اقتناء المباني قبل اكتمال إنجازها لحد أنها تحولت إلى ظاهرة عامة، وأصبح مألوفا في السنوات الأخيرة، عقب أن كان من قبيل الاستثناء شراء بناء قبل اكتماله، أو حتى قبل الشروع في أشغال البناء .

أيضا ثمة عدة عوامل تساعد على شيوع ظاهرة بيع المباني في طور الإنجاز أهمها كونها تنسجم مع ظروف المجتمع ومتطلباته الحالية، كما أنها تسعف كلا طرفي العلاقة، فالمشتري يسدد الثمن بالتقسيط بما يناسب ظروفه وإمكانياته المادية، كما أنه يحجز المسكن الذي يرغب فيه، على أمل تسلمه بعد مدة معينة، وهذا ما يحقق له - ولو مؤقتا - الاستقرار النفسي. أما البائع فقد تعوزه الأموال اللازمة لتمويل كل المشروع، فيعمد إلى عرضه للبيع وهو في مرحلة البناء، وربما قبل الشروع فيه للاستعانة بما يحصله من تسبيقات الثمن في مواجهة مصاريف الإنجاز.

لكن مع الأسف هناك عدة معوقات وسلبيات تلازم انتشار ظاهرة بيع العقارات قيد الإنجاز وتحد من فعاليتها ونجاعتها في حل أزمة السكن. فقد يتعطل المشروع يسبب إخلال كل من المشتري أو البائع بتنفيذ التزاماته التعاقدية، الأول بتماطله في سداد أقساط الثمن في موعدها المحدد، والثاني بتأخره في إنجاز أشغال البناء. والأخطر من ذلك تسويق مشاريع إسكان وهمية، وبيع العقار لأكثر من مشتر، وهروب البائع بما تيسر له جمعه من أموال المشترين الحاجزين الذين تتبخر آمالهم في امتلاك مسكن ويجدون أنفسهم دون حماية فعالة لاسترجاع حتى أقساط الثمن التي سددوها، أو الغش في مواد البناء مما يفضي - أحيانا - إلى انهيار المبنى محل البيع وهو في مرحلة الانجاز، وبالتالي يتعطل المشروع برمته.

من دون شك لقد أخذت هذه المشاكل العويصة - و ما سواها كثير - باهتمام المشرع عندنا مما دفعه إلى إصدار قانون 4400 لتنظيم المعاملات المتعلقة ببيع العقار في طور الإنجاز، بما من شأنه خلق مناخ سليم وملائم للتعامل، والحد من كل صبغ التعاقد غير القانونية وإبعاد مظاهر التلاعب والتحايل وتوفير ضمانات كافية

رابط تحميل الكتاب

https://drive.google.com/file/d/1epvmMPbx0cwfgXu5uybvpfVuC7DnkM5i/view?usp=drive_link

What's Your Reaction?

like
0
dislike
0
love
1
funny
0
angry
0
sad
0
wow
0