أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه في القانون العام في موضوع دور القضاء الإداري في تكريس مبادئ الحكامة الترابية

دائما ما يحيل مفهوم الحكامة عند ربطه بأسس وقواعد التنظيم الإداري الترابي على اللامركزية الإدارية، هذه الأخيرة (اللامركزية الإدارية أصبحت مبدأ شبه عالمي واكب تطور مفهوم الدولة، فبعد أن كانت الدولة في ظل المذهب الليبرالي الكلاسيكي تقتصر مهامها على الدفاع وتحقيق الأمن والإشراف على المرافق العامة، في إطار الدولة الحارسة المنحصرة الاهتمام بالمجال الأمني والسيادي، سيعرف دورها تغييرا جذريا نحو التدخل في مختلف المجالات، خاصة بعد الحرب العالمية الأولى والأزمة الاقتصادية لسنة 1929 والحرب العالمية الثانية، وتنامي المذهب الاشتراكي الناتج عن الآثار السلبية للأحداث السابقة الذكر على المستويات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. فأصبحت الدولة تتوفر على استياز كونها شخص من أشخاص القانون العام، ولها سلطة مادية ومعنوية تنفرد بها عن الخواص، الشيء الذي اقتضى ضرورة تنظيم و تقنين ومراقبة أنشطتها بشكل يحمي المص

أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه في القانون العام في موضوع دور القضاء الإداري في تكريس مبادئ الحكامة الترابية

رابط التحميل أسفل التقديم:

مقدمة

دائما ما يحيل مفهوم الحكامة عند ربطه بأسس وقواعد التنظيم الإداري الترابي على اللامركزية الإدارية، هذه الأخيرة (اللامركزية الإدارية أصبحت مبدأ شبه عالمي واكب تطور مفهوم الدولة، فبعد أن كانت الدولة في ظل المذهب الليبرالي الكلاسيكي تقتصر مهامها على الدفاع وتحقيق الأمن والإشراف على المرافق العامة، في إطار الدولة الحارسة المنحصرة الاهتمام بالمجال الأمني والسيادي، سيعرف دورها تغييرا جذريا نحو التدخل في مختلف المجالات، خاصة بعد الحرب العالمية الأولى والأزمة الاقتصادية لسنة 1929 والحرب العالمية الثانية، وتنامي المذهب الاشتراكي الناتج عن الآثار السلبية للأحداث السابقة الذكر على المستويات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.

فأصبحت الدولة تتوفر على استياز كونها شخص من أشخاص القانون العام، ولها سلطة مادية ومعنوية تنفرد بها عن الخواص، الشيء الذي اقتضى ضرورة تنظيم و تقنين ومراقبة أنشطتها بشكل يحمي المصلحة العامة ويحافظ على حقوق و حريات الأفراد، ويلزم الجميع بالخضوع لأحكام القانون في إطار مبدأ المشروعية.

كما عرف الجهاز الإداري للدولة تضخما كبيرا وتعددت هياكله و اتسعت مهامه واتسمت أعمال الإدارة بالبيروقراطية 3، الشيء الذي نتج عنه ظهور أنماط جديدة في التنظيم الإداري للدولة، حيث تم الانتقال من نظام المركزية الإدارية للدولة الموحدة البسيطة الذي كان سائدا قبل انتشار مبدأ الديمقراطية بالنسبة لنظام الحكم 4 إلى اللامركزية الإدارية، القائمة على توزيع المهام والوظائف الإدارية للدولة بين الحكومة المركزية في العاصمة والهيئات والجماعات الترابية و المصالح الخارجية للمؤسسات العمومية، فيمقتضى هذه التغيرات أصبحت الجماعات الترابية تتقاسم مع الدولة أعباء تدبير الشأن العام عن طريق نقل الاختصاص مقابل تحويل الموارد 1، وبذلك لم يعد المجال الترابي المحلى مجرد حامل (support) أو مستقبل بل فاعلا حقيقيا في التنمية و التدبير المحلي 2، وهذا ما أدى إلى تبلور مجموعة من المفاهيم الجديدة على المستوى الدولي و من أهمها مفهوم الحكامة الجيدة.

هذا المصطلح الذي ظهر وتم تداوله مع بداية ثمانينات القرن الماضي، من طرف المؤسسات المالية الدولية لتحديد معايير الإدارة الجيدة للمؤسسات العمومية، بالنسبة للدول التي تخضع لنظام التقويم الهيكلي ، ثم جاءت بعد ذلك مرحلة التسعينات التي وضعت خلالها الديمقراطية واللامركزية في قلب اهتمامات الدول و طرح سؤال تدبير السلط أمام مفهوم الحكامة الجيدة على المستوى الترابي.

فبعد أن تم انتقاد نموذج السياسات التقليدية الذي يقوم على سلطة وحيدة، انبعثت أسس الحكامة الترابية لتقطع وتنهى الشكل الممركز للسلطة 4، وعليه فإن تغير الظروف الدولية نحو تنامي دور الجماعات الترابية قد تعزز أساسا في ظل انتشار الفكر الديمقراطي والمشاركة السياسية، وترسيخ مقومات دولة الحق والقانون، التي تدعو إلى إشراك الساكنة المحلية في جميع المبادرات التي تهم الشأن العام المحلي، حتى تكون أكثر إسهاما في التعاطي مع الرهانات المطروحة عليها، دون إغفال الدور الكبير الذي يلعبه القضاء الإداري في مواكبة هذه المعطيات من خلال سهره الدائم على احترام مبادئ المشروعية في تدبير الشأن الترابي، وذلك لكونه ضمانة أساسية في تكريس الأمن القضائي والقانوني بها.

وتجدر الإشارة إلى أن التقارير الصادرة مؤخرا عن كل من البنك العالمي وصندوق النقد الدولي بخصوص وضعية الإدارة المغربية، أكدت على ضرورة البحث عن أدوار جديدة للجماعات المحلية وتقوية مساهمتها عن طريق نهج أسلوب الحكامة في تدبير الشأن العام المحلي والوطني.

ان ممارسة الجماعات الترابية الاختصاصاتها المستمدة من التنظيم الإداري الجديدة بدأ ينتج تصرفات مست حقوق و حريات الأفراد والجماعات في إطار تعامل مباشر أو غير مباشر مع هذه الأخيرة، بل إنه أصبح من الصعب تصور إدارات عمومية لا تتسبب من خلال ممارستها لوظائفها في أضرار للغير 1 لهذا انتصب القضاء الإداري المغربي كضامن للحقوق والحريات وللأمن القضائي والقانوني ومكرس لمختلف أوجه الحكامة على المستوى الترابي، خاصة بعد أن تمت دسترة الحق في التقاضي الإداري بمقتضى الفصل 118 من الدستور المغربي لسنة 22011، الذي يخول للقضاء الإداري البت في القضايا المتعلقة بالقرارات المتخذة في مجال التدبير الإداري سواء كانت فردية أو تنظيمية، حيث مكن هذا الإصلاح الدستوري من خلق دينامية جديدة على مستوى القضاء الإداري، خاصة بعد أن تم إرساء مبادئ الحكامة الجيدة كذلك بمقتضى الدستور 3، مما أصبح معه هذا الأخير (القاضي الإداري) مدعو للانخراط في تكريس هذه


للإطلاع والتحميل

What's Your Reaction?

like
0
dislike
0
love
0
funny
0
angry
0
sad
0
wow
0