مؤلف جماعي حول المسألة الاجتماعية في ظل الهوية الحديثة للمالية العامة بالمغرب والتجارب المقارنة
تشهد المالية العمومية تحولات متسارعة على المستويين الوطني والدولي في حقل تطور منظومة التدبير من جهة، وفي سياق التوترات والصدمات من جهة أخرى، ما يجعلها ذات هوية الجينة قابلة للتحول، حيث تستنبط من تحليل وفهم توجهات السلطة السياسية والقرار السياسي إيديولوجيتها وفلسفتها، ومن قواعدها التدبيرية حقلا للبحث في النجاعة المالية المنشودة، وأما في انفتاحها على العالمية، فإنها تظل مطالبة بتحقيق الاستقرار المالي. كما يساهم اعتمادها على مرتكزات الاستعلام المالي في ترسيخ منظومة المخاطر المالية المحدقة، بينما تكون، في تأثرها بالتطور التكنولوجي وأنظمة الذكاء الاصطناعي، بصدد البحث عن الأمن المالي الرقمي. التردد باستمرار في ذهن الباحث المهتم إشكالية أولوية تشغل باله، وتفرض وجودها، في الظروف الراهنة (حروب، جفاف تصحر، أزمات صحية اقتصادية مالية واجتماعية)، على اهتماماته وتفكيره. إن هذه الوقائع والقضايا اجتماع
رابط التحميل أسفل التقديم:
تقدیم
تشهد المالية العمومية تحولات متسارعة على المستويين الوطني والدولي في حقل تطور منظومة التدبير من جهة، وفي سياق التوترات والصدمات من جهة أخرى، ما يجعلها ذات هوية الجينة قابلة للتحول، حيث تستنبط من تحليل وفهم توجهات السلطة السياسية والقرار السياسي إيديولوجيتها وفلسفتها، ومن قواعدها التدبيرية حقلا للبحث في النجاعة المالية المنشودة، وأما في انفتاحها على العالمية، فإنها تظل مطالبة بتحقيق الاستقرار المالي. كما يساهم اعتمادها على مرتكزات الاستعلام المالي في ترسيخ منظومة المخاطر المالية المحدقة، بينما تكون، في تأثرها بالتطور التكنولوجي وأنظمة الذكاء الاصطناعي، بصدد البحث عن الأمن المالي الرقمي.
التردد باستمرار في ذهن الباحث المهتم إشكالية أولوية تشغل باله، وتفرض وجودها، في الظروف الراهنة (حروب، جفاف تصحر، أزمات صحية اقتصادية مالية واجتماعية)، على اهتماماته وتفكيره. إن هذه الوقائع والقضايا اجتماعية كانت أم اقتصادية، سياسية أم بيئية، علمية بيد الموجية تربوية أم القافية، أساسه مالي ليس إلا. والمالية قيمة استبدالية، أو نشاط اجتماعي يرتكز أساسا على توفير الأموال اللازمة لمنظمات أسرة شركات، أبناك، إدارات منظمات غير حكومية، علاقات دولية في حاجة لتنفيذ عملياتهم الاقتصادية.
فإذا أخذنا مثلا البعد السياسي، بوصفه تدبيرا توافقيا، أخلاقيا مسؤولاء للشأن العام الوطني والمحلي والدولي، بهدف تحقيق العدالة والتضامن والحد من اللامساواة واللامبالاة وتحسين مستوى العيش ونوعية الحياة، نجد الإشكاليات المالية من خلال العقلنة والمسؤولية والتوقعات والتدبير والمراقبة والإنجازات والتقييم قائمة بكل قوة، سواء على مستوى الدولة المركزية، أو على مستوى الجماعات الترابية، أو على مستوى المؤسسات العمومية والمقاولات العمومية وشبه العمومية.
وإذا لاحظنا البعد الاقتصادي، نجد إشكاليات المالية من خلال كيفية وفعالية البحث عن الموارد وطرق ونجاعة استعمالها لإرضاء الحاجيات الجماعية الضرورية حاضرة بكل قوة تجدها حاضرة في عمليات الإنتاج، وفي حركية وانتقالية السلع والخدمات والأشخاص ورؤوس الأموال، ومن خلال توزيع الثروة واستغلال الذمة المالية، وأيضا من خلال عمليات الاستهلاك لهذه السلع والخدمات والمرافق العمومية.
من المنظور الاقتصادي دائما، وعلاقته بالمالية أسجل قضايا مجالية بنيوية حادة يمكن امتصاصها عن طريق الاستثمارات العمومية والخاصة والمختلطة النافعة وذات المردودية على المجتمع عموما، وعلى المواطن أو الملزم أو المرتفق أو المستهلك على وجه الخصوص.
وإذا ترقبنا البعد الاجتماعي، بوصفه حقائق ووقائع جماعية ومجتمعية مرتبطة بعضها البعض أشد الارتباط، تلاحظ أن الإشكالية المالية عمومية كانت أم خاصة أو مختلطة، تلبثق بكل حدة من خلال طرق التصرف والتفكير والشعور داخل الجماعة والخارج في الوقت نفسه عن الفرد أو عن الفئة أو عن الجماعة، وتتألق بتدرتها أو بغيابها في كل المصائب الاجتماعية الراهنة، كالفقر والمرض والعنف والأمية والهدر المدرسي والتشرد وسوء التشغيل وأعباء الأسرة، وأزمات السكن والبيئة والنظافة والمناطق الخضراء والهجرة والتهميش ومشاكل الأمن والإجرام، إضافة إلى أزمة التعمير وإعداد التراب وتسويق المجال والهندسة المعمارية ... إلح.
واذا أخذنا بعين الاعتبار الأبعاد العلمية الثقافية والبيداغوجية التربوية، أي مجموعة المعارف والتوقعات الهادفة والتطبيقات والمهارات وآداب السلوك وانعكاساتها الايجابية على حياة الفرد وعلى المجتمع ككل، من ناحية الوعي والتكوين والتماسك والأخلاق والمسؤولية، والرقابة الصارمة على المال العام والذمة المالية، والابداع والابتكار والتحسين مستوى العيش والرفاهية، تلاحظ أن الظاهرة المالية عمومية كانت أو خاصة أو مختلطة، تشكل رافعة قوة وأساسية للنهوض في هذا المجال بالأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والتربوية والعلمية الحالية المؤسفة.
لئن كان الإصلاح، أو بالأخرى التغيير الاجتماعي، لا يتم عن طريق التخمينات والتنبؤات بقدر ما يتم إعداده الفعلي يوميا وأسبوعيا وشيريا وسنويا من خلال سياسات عمومية مالية صارمة ومسؤولة، تمن جودة التدبير، وتني الثروة، وتحد من الفقر، وتخصص الموارد للأولويات التربوية والعلمية والاجتماعية والاقتصادية والبيئية، فإن المالية العمومية، من خلال القرار المالي، تعد واجهة حقيقية ومتميزة لقراءة وتتبع مسار السلطة السياسية، وذلك بإخضاع طموحات البرنامج الحكومي للعقلانية تبعا لما تفرزه إكراهات الواقع والحاجيات المجتمعية، وتحديد الأولويات وترتيب الاختيارات، وهو القرار الذي يدخل في قلب كل سياسة عمومية، عبر إعادة الكتابة البرامج والمخططات الحكومية وفق صياغة قالب محدد ومضبوط، وفقا للحركية الزمنية للقرار المالي.
ومن حيث كونها المجال الرئيسي الذي يتم في إطاره ترجمة اختيارات السلطات العمومية. والتعبير عن توجهاتها وإرادتها واستراتيجياتها التنموية والاستثمارية وأولوياتها الاجتماعية، تشكل المالية العمومية أهم أداة في رسم ة في رسم وتنفيذ السياسة العامة للدولة، والوسيلة الأساس التي تمكن من إبراز مدى فعالية السياستين الاقتصادية والاجتماعية، من خلال ضمان التوزيع العادل للثروات إلى جانب تحقيق التوازنات المالية والاقتصادية على مستوى الاقتصاد الوطني.
واذا كما أمام جدلية عضوية تشهد على تطور المالية العمومية بتطور والخليفة الدولة وتدخلها. فإن من أبرز السياقات والتوجهات الحديثة لهذا المجال المعرفي هو بناء قرار مالي يجعل من المسألة الاجتماعية ركيزة صلبة من ركائزها، ومقوما من مقومات دولة الرفاه المراد بلوغها، إذ أضحت المسألة الاجتماعية محط اهتمام الفاعل العمومي وطنيا ودوليا، وذلك من منطلق الايمان الراسخ يكون العنصر البشري مصدر الثروة، ومن ثم بات لزاما على الفاعل العمومي أن يضعها في صلب تفكيره، ووضعه لأية سياسة عمومية ومن بينها السياسة المالية.
إن الحديث عن المالية العمومية إنما هو حديث عن مسار تاريخي طويل، يرجع الظاهرة المالية إلى نشأة المعاملات المالية بين الأفراد، كما عرف تحولات وتمظهرات عدة، حيث تأثر وتطور من خلالها هذا الحقل المعرفي، بشكل يستدعي التساؤل حول الهوية الحديثة التي أصبحيحتلها علم المالية العمومية، سواء من حيث الفلسفة التي يقوم عليها وطبيعة السياسة الموازنية، أو من خلال مسار التحديث الذي عرفه والذي جاء مواكبا تتطور جل الحقول المعرفية من قبيل
علم السياسة، علم الاقتصاد، علم الاجتماع، على النفس، القانون الإداري... إلخ. لعل التحولات التي عرفها على المالية العمومية، والأنظمة المالية المقارنة خير دليل على ذلك، بدءا من مرحلة المالية المحايدة التي نشأت مع مفهوم الدولة الدركية، مرورا بمرحلة المالية
وظيفية في إطار الدولة التدخلية، وصولا إلى ما يسمى المالية التشاركية المواطنة التي تنبني على اليق التعاقد والتضامن بدراسة أثر المالية العمومية على الفرد والمجتمع، وبداية التأسيس الفكرة دولة الرفاء التي تجعل من الاهتمام بالمسألة الاجتماعية مؤشرا مهما لقيامها، تقول إن هذه التحولات جعلت على المالية ينحو إلى الاهتمام بالأبعاد الاجتماعية كأس من أسس دولة الرفاه إذ ستبرز المسألة الاجتماعية في قوانين المالية في محاولة لوضع السياسة الاجتماعية في صلب أولوياتها وغاية من غاياتها الكبرى، لكن هذا الأمر سيصطدم بإكراه التمويل، وضعف تفاعل المواطن مع هذه الإجراءات ذات الطابع المالي المحض.
سيعيد هذا الأمر موضوع مصادر التحويل إلى الواجهة، حيث سينتقل الفاعل العمومي إلى البحث عن الموارد المالية إلى جانب الموارد الضريبية من خلال سياسة الاقتراض، ومحاولة اعتماد الطرق الرائجة لتدبير النفقات العمومية، ودعم سياسة التضليع، وتشجيع الاستثمار من خلال تجويد مناع الأعمال، علاوة على الاستراتيجيات الكفيلة ببناء الدولة الاجتماعية على أسس تراعي تدبير الفوارق بين كل فئات المجتمع. ينضاف إلى ذلك ضرورة العمل على إشاعة الثقافة المالية بين كل فئات المجتمع المجتمع من أجل إحداث الوعي المالي لدى المواطنين.
بالموازاة مع ذلك، شهد العالم أزمات عالمية شككت في المؤشرات والمرتكزات التي تقوم عليها المالية العمومية، وبرز بذلك من خلال إعادة التفكير في دور الدولة بما يتلاءم مع طبيعة التحولات الاقتصادية والاجتماعية، وذلك في أعقاب تفشى جائحة كوفيد - 19 خلال سنتي 2021-2020، تلتها أزمة أخرى تمثلت في الأزمة الأكرانية - الروسية واعادة بناء المشيد الدولي، والتي اتخذت أبعادا سياسية اقتصادية، فلاحية، اجتماعية، وصحية مما أفرز فقدانا غير مسبوق للفرص العمل، وارتفاعا لنسب الفقر، وتضخما كبيرا، وبالتالي واقعا معيشيا مرتبكا ومقسما باللامساواة واللاتوازن المجتمعي.
وبذلك وجدت غالبية الدول، ومن بينها المغرب، ضعف وهشاشة منظومة تدبير المخاطر أو بالأخرى غيابها، مما فرض على الفاعل العمومي إعادة الاعتبار لدور الدولة من خلال الاهتمام بالأبعاد الاجتماعية وطرح المسألة الاجتماعية في صلب حركية التحديث التي تعرفها المالية
رابط التحميل
What's Your Reaction?